دور الرياضة فى بناء اقتصاد الدول

ينظر كثير من الناس الى الرياضة –بشكل عام- على أنها نوع من الرفاهية، وهذه النظرة تتسم بالحسد فى كثير من الأحيان ويشوبها جو المقارنات؛ فكثيرا ما تسمع عن من يقارن نفسه بمحمد صلاح، أو من يقارن رواتب كبار اللاعبين والمدربين ورواتب العلماء والمعلمين والأطباء، ثم يخرج بنتيجة ملخصها الشكوى من الظلم والاضطهاد وعدم تقدير العلماء.

وفى الحقيقة هذه النظرة تكتسى بقدر من القصور؛ فالرياضة ليست مجرد رفاهية، بل هى سلعة اقتصادية تشكل مثمرة، وهى تشكل جزءا من البناء الاقتصادى للدول.

وفى تصريحات (خافيير تيباس) رئيس رابطة الدورى الأسبانى لكرة القدم “لا ليجا” –حسبما ذكر موقع الغد- أكد على أن كرة القدم تمثل نسبة 1% من الناتج المحلى الاجمالى لأسبانيا.

هذا التصريح يرجع الى يونيو 2018، وحسب بيانات البنك الدولى فان الناتج المحلى الاجمالى لاسبانيا فى هذه السنة قد بلغ تريليونا و422مليار من الدولارات؛ ونستفيد من هذا أن كرة القدم تسهم  بحوالى 15مليار دولار تصب فى بناء الاقتصاد الاسبانى.

وقد أضاف تيباس أن كرة القدم توفر مائة ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة.

وفى تقرير عرضته قناة CNBC ARABIC ذكر أن كرة القدم قد أسهمت ب16مليار يورو فى موسم 2016- 2017، وهو ما يوازى 1,3% من الناتج المحلى الاجمالى للبلاد… وهذه النسبة فى تزايد كبير؛ حيث إن اسهام قطاع كرة القدم فى موسم 2013- 2014 قد بلغ 7,6 مليار يورو؛ وهذا يدل على زيادة أكبر من الضعف فى هذه الفترة الوجيزة.

وقد أكد التقرير على أن كرة القدم وفرت 185ألف وظيفة.

تبين هذه البيانات –بلا شك- مدى أهمية كرة القدم؛ فهى ليست مجرد لعبة، بل هى تمثل مجالا خصبا للاستثمار؛ فنحن فى الغالب لا ننظر الى كرة القدم الا فى اطار الملعب الذى يضم أحد عشر لاعبا، وننسى مئات العاملين فى الاستاد، وننسى محلات الملابس والمطاعم والكافيتيريات التى يعمل بها الآلاف، وكثير منها يعتمد بشكل أساسى على مباريات الكرة؛ وكذلك القنوات الرياضية والصحافة الرياضية والمواقع الرياضية، واسهامات الرياضة فى مجالى الاعلام والاعلان.

 ولعل العائد الاقتصادى المباشر وغير المباشر هو ما يفسر لنا تنافس الدول على استضافة البطولات الكبرى ككأس العالم ودورات الألعاب الأولمبية.

فحسبما ذكرت وزارة السياحة البرازيلية فان استضافة البرازيل لمونديال 2014 قد أسهم فى ضخ 30مليار دولار، وقد حققت المطاعم وحدها 11مليار دولار. كل هذا فى شهر واحد!

وقد وصلت نسبة الاشغال السياحى للفنادق الى 93% أيام المونديال، وقد قفزت هذه النسبة الى 98% فى المباراة النهائية.

وبشكل عام فالبرازيل نموذج واعد للدولة النامية التى تعتمد على الأنشطة الرياضية وكرة القدم خاصة فى التنمية الاقتصادية؛ فحسبما ذكر موقع ألفا أند بيتا السعودى المهتم بالشئون الاقتصادية، فكرة القدم تسهم ب5% من الناتج المحلى الاجمالى للدولة الذى يقارب تريليونين من الدولارات. يكفى أن تعرف أن وزير الرياضة البرازيلى قد أكد من قبل على أن هناك 700ألف وظيفة ستكون متاحة حتى دورة الألعاب الأولمبية التى استضافتها ريو دى جانيرو عام 2016.

واذا انتقلنا الى البلدان العربية فان تقريرا للمركز المصرى للدراسات الاقتصادية تحدث عن تضرر نحو 140ألف عامل نتيجة فيروس كورونا يعملون بشكل مباشر فى القطاع الرياضى، وأربعة ملايين يرتبط عملهم بشكل غير مباشر بهذا القطاع.

وهذا ان دل فانما يدل على مدى اسهام الأنشطة الرياضية فى بناء الاقتصاد وتوفير فرص عمل فى السوق؛ وهذا الأمر لابد من وضعه فى الاعتبار حينما نتحدث عن القطاع الرياضى.

وقد ذكر المركز المذكور آنفا فى تقريره أن الاستثمارات فى القطاع الرياضى تسهم بنسبة 2.7% من إجمالى الاستثمارات فى القطاعات المختلفة داخل مصر، وتسهم بنسبة تقدر بـ8% من الاستثمار فى القطاع السياحى والمرتبط عائده بقطاع الرياضة.

وهذه البيانات تقودنا إلى حقيقة بالغة الأهمية، وهى مدى ارتباط النشاط الرياضى وتشابكه مع القطاعات الأخرى التى تمثل أعمدة للاقتصاد فى أى مكان.

وقد شكل القطاع الرياضى ما نسبته 1.8% من الناتج المحلى الاجمالى لمصر فى عام 2016. وبالرجوع الى بيانات البنك الدولى للناتج المحلى لمصر فى ذلك العام يتبين لنا أنه تخطى 330مليار دولار؛ مما يعنى أن القطاع الرياضى أسهم بما يقارب ستة مليارات دولار من الناتج المحلى المصرى لعام 2016.

 وبالانتقال الى أكبر اقتصاد عربى وهو السعودية، فان الأمير عبدالعزيز بن تركى الفيصل قد تحدث -فى الندوة التى نظمها فرع جمعية خريجى كلية لندن للأعمال فى الرياض بشهر يونيو 2020 – قد تحدث عن أهمية الدور الذى تنتهجه الرياضة السعودية فى تحقيق أهداف (رؤية المملكة 2030) لتنويع الاقتصاد وصناعة مجتمع حيوي، وهو ما انعكس فى إنجازات القطاع الرياضى بالمملكة فى السنوات القليلة الماضية. ولفت إلى أن المملكة نجحت عبر استضافتها الأحداث الرياضية البارزة فى جذب آلاف المواطنين والمقيمين والسياح، وأن الوقت قد حان لتستضيف المملكة الفعاليات الرياضية إلى جانب المنافسة عليها، إذ إنه من المستغرب أن تفوز فى بطولة وأن لا تسعى لاستضافتها.

ومما سبق يتبين لنا أنه لا نهضة شاملة بدون الاهتمام بالقطاع الرياضى بوصفه أحد روافد هذه النهضة، والاستثمار فى القطاع الرياضى يعزز من قوة الاقتصاد، ويجعله متصفًا بالتنوع والشمول؛ وهذا ما تحتاجه شعوبنا العربية خاصة أن الاعتماد على قطاع واحد أو قطاعات محدودة والمراهنة عليها فيه لون من المقامرة قد تؤدى الى ركود اقتصادى حاد فى حال تعرض هذه القطاعات المحدودة لهزات اقتصادية، وهو الأمر المتكرر فى النظام الاقتصادى الحالى فى العالم.

قد يعجبك ايضا
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لنمنحك أفضل تجربة ممكنة على موقعنا. بالمتابعة في استخدام هذا الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط.
قبول
سياسة الخصوصية