البطولات الرياضية بين احتكار الفضائيات وحق الجماهير

ظل الحق فى مشاهدة البطولات الرياضية متاحا مباحا للجماهير فى كل مكان فى العالم، عبر القنوات المفتوحة. وكان ذلك يعطى للبطولات العالمية رصيدًا جماهيريًّا كبيرًا؛ حيث يشاهدها الفقراء والبسطاء؛ حتى أطلقوا عليها “معشوقة الجماهير”.

ومع مرور الوقت بدأت النظرة الى الرياضة بوصفها مجالا استثماريا بحتا خاضعا لقوانين السوق فى العرض والطلب، وبدأت الأقمار الصناعية فى الانتشار، وظهر مفهوم الاحتكار؛ فأصبحت البطولات تدخل فى مزايدة لمن يدفع أكثر، وظهرت القنوات مسبقة الدفع؛ فهذه القنوات تغطى تكاليف شراء البطولات من مصدرين رئيسيين هما الاعلانات واشتراكات الجماهير.

وفى المنطقة العربية بدأ احتكار البطولات مع شركة راديو وتليفزيون العرب المشهور اختصارا بـ”ايه ار تى”، وكانت بطولة كأس العالم 2006 بألمانيا أول مونديال لا يتيسر لجماهير المشاهدين مشاهدته بسبب احتكاره.

ومع مرور السنوات فان مجال الاحتكار صار يبسط أذرعه على أكثر البطولات التى تتمتع بجماهيرية عالية. ولم يعد من حق الجمهور أن يشاهد الا بعد أن يدفع.

ولم يكن راديو وتليفزيون العرب القناة الوحيدة التى تحتكر البطولات الرياضية، بل شاركها فى الميدان بعض القنوات كالشو تايم وأبو ظبى الرياضية.

وكان لدخول شبكة بين سبورت الميدان أثره الكبير فى توسعة دائرة الاحتكار؛ حيث اتخذت اسم الجزيرة الرياضية؛ حتى أخذت اسمها الحالى، واستطاعت شراء الحقوق الحصرية لنقل بطولات كرة القدم الكبرى مثل كأس العالم لكرة القدم، ودوري أبطال أوروبا، والدوري الإنجليزي، والدوري الإيطالي، والدوري الإسباني، والدوري الألماني وغيرها من بطولات كرة القدم.

ولم يقتصر الأمر على بطولات كرة القدم، بل شملت حقوق البث لبطولات كبرى فى الألعاب المختلفة، كدورى كرة السلة للمحترفين الأمريكى، وبطولات التنس وغيرها من البطولات والألعاب، وبطولات الفورمولا1، ودورة رولان جاروس وبطولة ويمبلدون للتنس، وغيرها الكثير.

مع استضافة فريق تحليلى من اللاعبين المعتزلين وكبار المدربين المخضرمين.

وباستعراض آراء بعض نجوم مصر حول الاحتكار وحق الجماهير فى المشاهدة، نقلت شبكة سكاى نيوز عربية رأيا للاعب النادى الأهلى المعتزل خالد بيبو؛ حيث قال:

“بصفة عامة، أريد أن أشعر كمشاهد بأنني أتابع ما أريد مشاهدته، على القناة التي أريدها، دون أن أكون مرغما على متابعة قناة معينة”.

وعبر مجدى عبد الغني عن “معاناته” مع ظاهرة الاحتكار، قائلا: “أرى أن الاحتكار، خاصة في الوطن العربي، يحرم الكثير من الناس من حقهم في المشاهدة، وهو أمر غير مطلوب، وأعاني منه شخصيا كمشاهد”.

وفى مقال للكاتب خالد حريب على موقع البوابة نيوز المصرى، لفت النظر الى الاستغلال السياسى للاحتكار الرياضى، واقحام الخصومات السياسية فى هذا الأمر؛ واستدل على كلامه بما حدث فى حفل افتتاح بطولة كأس الأمم الافريقية الأخيرة بمصر.

وحتى ندرك حجم الأموال التى تنفق فى هذا المجال نشير الى ما ذكره موقع حفريات أن إجمالي مبيعات حقوق بث مباريات مونديال 2010 في جنوب أفريقيا قد وصلت إلى ما يقارب ثلاثة مليارات دولار، بينما بلغت حقوق البث لمونديال البرازيل 2014 ما يقارب أربعة مليارات.

أما عن المحاولات لكسر حدة الاحتكار؛ فقد أعلنت الهيئة العامة للمنافسة بالسعودية فى يوليو 2020 إلغاء ترخيص بي إن سبورتس القطرية، في المملكة بشكل نهائي، مع تغريمها مبلغ 10 ملايين ريال سعودي لمخالفة نظام المنافسة.

وألزمت الهيئة شبكة القنوات القطرية beIN SPORTS برد جميع المكاسب التي حققتها نتيجة المخالفات التي وقعت فيها.

هذا مع اتجاه لاصدار قنوات رياضية تستطيع المنافسة…

ويبدو هذا الأمر جيدًا، ولكن هل سينعكس هذا على المشاهد العادى فى تقليل قيمة الاشتراكات لهذه القنوات؟؟ هذا هو السؤال الصعب.

وكما لا يخلو أمر من نقاط طيبة فان أزمة الاحتكار لها دورها الايجابى فى زيادة الطلب على المقاهى فى أوقات بث المباريات؛ وهذا بدوره يسهم فى زيادة الأيدى العاملة فى هذا المجال، ويزيد من معدل  الضرائب التى تصب فى خزانة الدول. ولا ننسى ما تجنيه الفيفا الرابح الأكبر من هذه الممارسة الاحتكارية.

وتتبقى هنا نظرتان الى الواقع الاحتكارى الراهن؛ ففريق ينظر الى المسألة بطريقة براجماتية بحتة؛ فيرى أن البقاء لمن يدفع أكثر، و”السوق عاوز كدا”، و”الرزق يحب الخفية”؛ وبناء عليه فمن الطبيعى أن تبحث الجهات الرياضية عن الوسيلة الأفضل لجنى أكبر قدر من الأرباح.

ونظرة أخرى ترى من حق الجمهور أن يشاهد المباريات، وتبقى الاعلانات والرعاة الرسميون مصادر دخل قوية تكفى لتمويل البطولات؛ ويحتج أنصار هذا الرأى بأن البطولات ظلت سنوات طويلة منذ بث بطولة كأس العالم 1970 بالمكسيك حتى 2002 تبث مفتوحةً، وكانت كرة القدم مجالا للربح الجيد.

وفى النهاية هل يكتب للمشاهد العربى أن يرى البطولة المفضلة كأس العالم على الشاشات المفتوحة مرة أخرى؟ أم أن يكون قدر مونديال كوريا واليابان 2002 البطولة الأخيرة التى يشاهدها العامة دون اشتراك مسبق؟!

أما الاختيار الثالث فهو الأصعب أن يطال الاحتكار بيديه الطويلتين البطولات المحلية التى لا تزال فى متناول الجمهور العادى؟؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لنمنحك أفضل تجربة ممكنة على موقعنا. بالمتابعة في استخدام هذا الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط.
قبول